القرطبي

276

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها ، فقيل ثلاث اثنتان ، وقيل : خمس ، يأتي بيانها في " سبحان ( 1 ) " إن شاء الله تعالى . وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله . قوله تعالى : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : " له ما في السماوات وما في الأرض " . وقال مجاهد : " ما بين أيديهم " الدنيا " وما خلفهم " الآخرة . قال ابن عطية : وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به ، لان ما بين اليد هو كل ما تقدم الانسان ، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده ، وبنحو قول مجاهد قال السدى وغيره . قوله تعالى : ( ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء ) العلم هنا بمعنى المعلوم ، أي ولا يحيطون بشئ من معلوماته ، وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر . فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات ، لان علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض ( 2 ) . ومعنى الآية لا معلوم لاحد إلا ما شاء الله أن يعلمه . قوله تعالى : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) ذكر ابن عساكر . في تاريخه عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله ( 3 ) " . وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة - وهو عاصم بن أبي النجود - عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه . يقال : كرسي وكرسي والجمع الكراسي . وقال ابن عباس : كرسيه علمه . ورجحه الطبري ، قال : ومنه الكراسة التي تضم العلم ، ومنه قيل للعلماء : الكراسي ، لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض .

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 309 ( 2 ) في ه‍ : لا يتغير . ( 3 ) في ه‍ وب وج‍ : حيث لا يعلمه العالمون .